سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
155
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
وذلك بسوق غريب وعوامل عجيبة ، تعمل في عقل الإنسان في سائر الأزمان . بينما الإنسان اليوم سائر في البحث والتجربة ، يقصد أمرا فإذا هو ( عرضا ) يعثر على نتائج لم تكن بحسبانه فينشط لها عقله ويصرف إليها همته ، ولا يزال يكد ويجرب ويجدّ حتى يتيسر له وضع أساس الاكتشاف أو الاختراع أو تقرير قواعد كلية ، لعلم ، أو لفن . « أما مقصد أبي العلاء فظاهر ، ليس فيه خفاء - فهو يقصد بالنشوء والارتقاء - أخذا بما قاله علماء العرب قبله بهذا المذهب وقد مر ذكره ولا بأس من إعادته : إذ قال أبو بكر بن بشرون في رسالته لأبي المسح عرضا في بحث الكيمياء ( إن التراب يستحيل نباتا ، والنبات يستحيل حيوانا ، وإن أرفع المواليد هو الإنسان « الحيوان » وهو آخر الاستحالات الثلاثة وأرفعها . وإن أرفع مواليد التراب ( ومنه المعادن ) النبات - وهي أدنى طبقات الحيوان - سلسلة تنتهي عند الإنسان إلخ . فإذا كان بناء مذهب النشوء والارتقاء على هذا الأساس فالسابق فيه علماء العرب وليس « داروين » مع الاعتراف بفضل الرجل وثباته وصبره على تتبعاته وخدمته « للتاريخ الطبيعي » من أكثر وجوهه وإن خالفته وخالفت أنصاره في مسألة « نسمة الحياة » التي أوجدها الخالق - سبحانه وتعالى - لا على سبيل الارتقاء من سعدان فالإنسان أو من الزوابع المائية ! أو أن « البرغوث » سيكون بعد ألوف أو ملايين من السنين ، فيلا عظيما ! لأننا نرى اليوم في البرغوث ما يشبه خرطوم الفيل ! وغير ذلك من المباحث التي دونتها في رسالة « نفي مذهب الدهريين » ردا على داروين وأشياعه وأرى إغراقا في نسبة الإبداع والابتكار للنشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي له . « ولو قال بذلك مثل « بخنر » و « هكسلي » و « اسبنسر » وغير هم من علماء الغرب ممن لو جاز ترك مناقشتهم فلا يسعني أن أمر على ذكر حكيم شرقي انخرط مع من ذكرت من العلماء ممن أيدوا مذهب « داروين » وأخذوا بناصره وهجموا على مألوف الشرقيين بقواعد ذلك المذهب ، فمن حيث الجهر بمعتقد يعتقده الإنسان أنه اعتقاد صحيح ولو خالف الجمهور ، فالدكتور شميل له في نشر مذهب « داروين » وتحمله أعباء المكفرين له ( عن غير علم وتحقيق ) يعدّ لشميل فضل ولكن لا أرى الدكتور شبلي قد تخلص من جرأته الأدبية وبعض رسوخه في الفلسفة من وصمة التقليد